-->
»نشرت فى : الاثنين، 5 مايو 2025»بواسطة : »ليست هناك تعليقات

د. حكيمة جعدوني


 مقتطفات من رواية "إبليس الرسول، نبي الظلام"


بقلم الكاتبة الجزائرية والروائية د.حكيمة جعدوني

 

المقتطف الأول:


بدى المرمق يستلّ أنيابه من غمد نعت بالارتياع البالغ، قاعدته سموم متحوّرة، تبصّصَ في إربٍ من الشقّ الأيسر للذات، وهو عُنصرٌ بَسِيل آبد متسعّر، عبارة عن نار مُرّة، ظلماتها الكثيفة تنفث الدخان المدلهم، الذي إن تحرّر لن يسلم منه معلوم ولا مجهول. (الصفحة 13)


هكذا أشرقت نيّة "مارد النار" في إدراك الإله، ولِكي يحمي رعيّته ومسؤوليّته السامية من هذا المُتّكل برعاية المستضعف، فَصَـلَ عنه "نار غضبه" المُهلِكة، اِستأصلها من جذور فطرتها، بحيث لم يُبقي فيه منها بذرة ولا ذكرى، ففضّل أن يَشطر من الشرّ المطلق نصفه المُضطرِم المُضطرِبُ الحركة، المُتَلَهِّب بالعنفِ، المُجَهْنَمَ الماهية، فَذْلَكَة لهائبية. (الصفحة 15)


المقتطف الثاني:


اللحظة؛ آن أوان إفلات يد الظلام والتخلّص من جحوده، في هذه الأثناء التي تضجّ درجة أحوالها بالحَمَاوَة، أَنْبَأ القدّوس ملائكته بما سيُقدِم على فعله؛ ثم أمرهم بأن يتركوا فضاءات مَهايع من أجل فسحهم المجال الكافي لنزول هذا الشهاب المحترق؛ الذي يتماوج شكله المرتجّ فيأكل ضباب بعضه البعض، تنحَّت جنود الولاء والإخلاص جانبًا، ليقذف الجبّار بغضبه مباشرة نحو الأرض برمية هازمة تحوّلت إلى اندفاع نيزكي مترابط، ينهمر من بوابات طبقات السموات فيلدغ حوافها ويقرّحها بلفحه الجَرّاح، أي شيء يأتي في طريقه يودّع الوجود أو يذوق بشاعة التشوّه، مخلّفًا وراءه موسوعة من البقايا، غاية في الاختراق والاحتراق، مفسد بذلك سديم بلايير الكواكب والنجوم وغيرها من تصاميم مختلفة لمصابيح الفضاء . (الصفحة 16)


اِستمر "العنصر" في الانخداع اعتقادا منه بأن حقيقته المتأجّجة تلك التي لا تستكين أو تستقرّ، لا تزال مرتبطة بغضب الإله، فأشهر تكبّره، واحترف إعداد المكروه بنيّة الكيد؛ ليعود اللّوم على الذي حرّم مسبّباته وحكم كونه بعدل. (الصفحة 17)


المقتطف الثالث:


"القمر" الساطع، يَنجُم من العلو الفارع مثل ثمرة وَضِيئة تتدلّى من غصن السماء، فيتدانى ببلجه الخلّاب من سطح الأرض؛ التي بدأت ترتعش من شدة هطول بَرَده المأمور بالانسكاب فوق "مارد النار" واِحاطتها من كل جهة بهدف التخفيف من فخامة حدّتها، إذ تجمّدت من حولها ذرّات الأوكسجين وتكتّلت؛ لتبدو من قمم الشواهق قطعة فضيّة متلألئة؛ تجاهد في محاصرة تَخبُّط جمرة متوهّجة. لقد تصقّع صحن الأرض لأول مرة، فلبث مغموس في زمهريره لعدة قرون، يكافح الجَيَشَان المتوالي، يخمده ليخبو ويتضاءل؛ بأقصى محاولاته لأن يشْبِم. مضت فترة طويلة النزاع الفيزيائي بين "مارد النار" المعاند وعنصر البَرَد؛ الذي ضمّ نشوبه وشارسه مشارسة معتبرة، فسيّج رقعته وضيّقها لتعطي حيزًا منزوي في منافي الخلاء البعيد. (الصفحة 19)


المقتطف الرابع:


تدفّقت السنوات من منحدر الزمن، تربّع فيها قوم "الجنّ" المسالمون على عرش من مَوَدَّة ولطف، فلا يعلمون أن من وراءهم بركان نشط، عين مخفية كانت تراقبهم منذ أن خُلقوا؛ فوجدوا الأرض مسكنًا بهيجا.


ألّفَ امتزاج الهيدروجين المُركّز مع الأوكسجين المُركّز؛ كمية الماء التي أحاطت دائريًا "بمارد النار"؛ فتجمّدت بفعل درجة البرودة الشديدة، ومع عامل الاحتراق الذي يجري بداخلها تحوّلت إلى صفائح نقيّة، عذبة، مجرّدة من كثافة اللون، شفافة كالزجاج، محدودة بسطح داخلي مستوي وآخر خارجي محدّب. تصميم هندسي أسهم في تشكيل عدسة حادة الدقة يشاهد من خلالها "مارد النار" كل شيء .. كأنها منظار سلس يقرّبه من أبعد نقطة رؤية. (الصفحة 23)


ينخر بعضه البعض، لانفعال مجهول، هيّج رغبته في الاندلاع أكثر وأكثر، إذن !! أصبح له شعور ما؛ وهو أول شعور أقام بداخله، ويخالف بقية المخلوقات التي تكلّلت أحاسيسها بالطيبة والعذوبة والرقّة.


 الحسد عدوّ النّفس الّلدود، يسرق منها ضوء السلامة؛ فيغرقها في دوّامة العذاب المتقن، الحسد شؤم بالغ تعبده النفوس السطحية.


تكوّن في لجّ عنصر" مارد النار" فأسقم عزلته التي تضيق بها حلقة التجويف الجليدي، وتخنقه بأدخنته المندلعة.


لاحظ الخالق حالة "مارد النار" من كل الجوانب، عَلِم أنه ينازل الضائقة، ويتخبّط بين استنفار عتادها، لكنه أخطأ عندما قاتل الموت بالموت؛ فاِتخذ لمعاناته أُنسٌ خطير ألا وإنه الحسد وسواس الهناء، وبكلمة "كُونِي" كانت النار "إبليس" ، كَـائنٌ لا خير عنده؛ شرّه ونكده يُغَلِّـق في وجهه جميع أبواب العتق والفرج . (الصفحة 25-26)


 

المقتطف الخامس:


لبث "إبليس" على هذا الحال ملايين السنين، يتعاقب العذاب على سجنه؛ فيخضعه الفناء ولزوم البقاء وغياب الهناء. 


وهل تُجرح النار ؟؟! أجل كما ترون ..!! "إبليس" المسحوج المذبوح بنصل حرمانه من الاهتمام، وتوقه للخروج من غديرة القنوط أو لسند ما؛ يخبره أنك ستكون بخير !!! لكن لاشيء من هذا إلا تكرار أيام صلبة تُبرسه برسًا، وتتقاذفه قذفًا وتنهره نهرًا. هكذا يشعر "السجين" الذي بات يحصي نِعم "الجنّ" اللامنتهية. (الصفحة 29)


ماذا حدث مع إبليس؛ عندما خلقه الإله وأشهده على نفسه؟!


مالذي حدث هنا؛ قبل عقود نأت بين تخليق الجنّ والإنس؟؟!


ومالذي جعل إبليس؛ ينفث تناهيدًا من تعابيره ويسير للوراء نحو ملايين عصور خلت!!


لمّـا خلق الإله عباده الجنّ ومن بينهم إبليس؛ سأله ليشهده على نفسه، فقال الإله: 


"يا إبليس شهدت ورأيت بنفسك؛ أنني ربّك الذي خلقك وأنك لم تخلق نفسك" فأجاب إبليس : "بلى، ولكن لا أشهد".


غضبٌ وحقدٌ أشدُّ من دمار الكون كله، بضغطة زر واحدة؛ يحمله إبليس بين أكنان سريرته ويعلن عليه في وضح الجَنّـة أمام الإله والملائكة، تُرى؛ مالذي يتركه مغلولاً، مختنق، متضايقًا من اعتناق الاعتراف بأن الخالق هو الله ربّه خالقه؟! متردّد البحث عن مراده في السمآء، هدفٌ ناجي دَعاه للوصول إليها مجددا، بعدما رفعته الملائكة إثر ما تسبّب به من فوضى على الأرض في عهد الجنّ، وتحريضه لعشائرهم على الاقتتال فيما بينهم؛ لإرضاء غروره وفرض قيادته عليهم كان ذلك كله؛ من مصلحته ربِح اِنهيار عهد الجنّ، ويصمم حاليا على تهديم أي عصر آخر، وفسح المجال لأمنية، لم يبقى عليها سوى القليل لتتحقق، سيحصل على ما يريده ويجد طريقة لبناء كونه وتكوين قومه الخاص، ما دامت ذاكرته لا زالت مفتونة، بما عذّبها منذ لحظة تخليقه. 


تحترق دواخله وتشتكي، شعوره بالرفض، وعدم الدنو الذي حدث معه في القديم، يتألم بحق؛ لأنه أبدًا لم يرى الإله ولم يسمع صوته مباشرة وكان بينهما حائل رسول، هو الملك جبرائيل، ذلك ما غصّ في ضغينة سريرة إبليس ولم يعلم به أحد، لقد اجتهد في إخفاء الأمر عن أتباعه من الجنّ لما كان في الأرض، كون الإله لم يعطه ولم يمكّنه من تلك المكانة.


إبليس عندما كان في السمآء لأول مرة وفي الجَنّـة التي تمكّن من التواجد بها، لكن؛ لم يحظى بشرف رؤية الإله أو سماع صوته كما الملائكة التي حينما تحدث الإله معها، كُتب الحوار المقدّس في كل الكتب المنزلة ولم يرد في حواره مع إبليس أنه كلّمه وجها لوجه، بل كان الحوار؛ جبرائيل الملاك يقول لإبليس: "الإله قال لك يا إبليس ما منعك أن تسجد" فيجيب إبليس على الملاك جبرائيل :" أنا خير منه " وهذا الحوار نُقِل من طرف جبرائيل إلى الإله، وكان جبرائيل الملاك الأمين يوصل كلام إبليس إلى الإله، حيث سأل الإله الملاك جبرائيل؛ عن رد إبليس لما سألتَه عن سبب رفضه للسجود لآدم فأجابه الملاك جبرائيل لقد قال: "أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين". دقة في الحوار ... وفي كل الآيات التي جاءت عن الحوار بين إبليس والإله؛ كان بينهما رسول وهو الملاك جبرائيل عليه السلام.


لماذا لم يكن الإله يرغب في رؤيته ودائما يجعل بينهما رسول وهو جبرائيل الملاك!!


بينما الحقيقة؛ هي أن الله لا يحب إبليس، وأنه لم يكن يحب لقائه أبدا وأن الإله هو من طلب من جبرائيل الملاك؛ أن يكون بينه وبين إبليس رسولا. 


صنع الإله آدم بيده وأحبه جدًا، وكان يعلم أن إبليس بطبعه؛ سيؤذي آدم ولذلك الخالق؛ كره إبليس كثيرًا ولم يرغب في لقاءه.

نعم... تمكّن إبليس من رؤية عرش الإله عن بعد، لكن لم يرى الله أبدًا، بينما الحوار الذي دار بين الإله وأول إنسي آدمي كان مختلفًا؛ بما فيه طبيعة التعامل والمكانة التي خصّصها لخليفته آدم، التي كانت اِستثنائية جدًا، ويرجع هذا؛ لردة فعله بعدما تمّ تخليقه وأنه أصغى وأطاع لحظتها وهنا؛ يكمن الاختلاف عند الإله، بين آدم وإبليس الذي تكبّر وعصى، هذه هي الحلقة المفقودة، لقد خلق المولى آدم وأشهده على نفسه أنه هو ربّه، ماذا قال آدم؟ قال آدم: "بلى أشهد" ولما تكلّم آدم بعد أن جعله المولى في الجَنّـة، حمد الله وهذا أول الكلام الذي قاله بعدما تكلّم وهو يفسر أن آدم يشهد أن الذي خلقه هو الله الذي لا إله إلا هو. (الصفحة 131-132-133).


المقتطف السادس:


 اِستجابت الملائكة لأنها وثقت بربّها ولكن إبليس؛ لا يفكر كباقي المخلوقات، وإنما يفكر في ماهية التكوين؛ وهي مادة الصنع، النار والطين والتفاوت بينهما فقط، عكس الملائكة؛ التي فكرت في التفاوت في العلم، نعم؛ العلم لأن آدم كان أعلم من الملائكة وأعلم من إبليس، لذلك طلب الإله منهم السجود له؛ أي السجود لصاحب العلم الأكبر وهو آدم، وكان الفرق بين كلام الإله مع الملائكة وكلام الإله مع إبليس؛ هو أن الملائكة اِستنكرت؛ ولما علمت سجدت لآدم، أما إبليس؛ اِستنكر ولما علم، أعرض واِستكبر ورفض السجود لآدم.


هذا الواقع؛ الذي أثقل فضول إبليس، يسري في تأجّجه واحتقان خاطره، فبالرغم من الرفض القاطع، الذي ادعى به أنه خير من آدم، فإن غليله لم يبرد بعد، والسبب؛ هو أن إبليس لم يرى ربّه ولذلك رفض أن يشهد بألوهية الخالق، والمصيبة الأدهى؛ هي أن كل أتباع الشيطان يقولون: لن نشهد بشيء لأننا لم نرى الإله؛ (الصفحة 135) 


فلماذا عصى ربّه وهو يعلم تفاصيل الحقيقة؟!


ولماذا كان لا يزال يرفض أن يشهد؟!


ولماذا سيجعل أتباعه أيضًا يرفضون أن يشهدوا، رغم إقرارهم بربوبية الله تعالى؟!


شغف إبليس؛ أن يرى الله بأم عينيه لايزال قائم منذ عقود .. ولكن المولى منعه، ثم؛


 ماذا يوجد وراء هذا المنع الأبدي؟!


السبب؛ هو أن إبليس؛ لم يكن يريد أن يرى الإله حقا ولذلك الله منعه من أن يراه، لأن المحبّ لمن أحبّ مطيع وإبليس؛ عصى ربّه ولو كان يبتغي لقاءه، لكان عليه طاعته، ثانيا؛ لأن إبليس مخلوقًا حاسدا وظهر الحسد عليه، لما قال عن نفسه؛ أنه خير من آدم، والإله كان يعلم؛ أن إبليس هدفه من وراء طلب رؤية الخالق؛ هو أن يقارن بين نفسه وبين نفس الإله. (الصفحة 136)


المقتطف السابع:


خلق الإله في نفس الوقت؛ الخير والشرّ فجعل الخير يمين وجعل الشرّ شمال، بعد فترة بدأ الشرّ يضطرب والخير؛ كان لا يزال تحت العرش العظيم ساجدا، فلما رفع الخير رأسه؛ وجد نفسه في سجن لا مخرج له منه، فشعر بالحزن، أما الشرّ؛ بعد أن أكله الاضطراب وجد نفسه حرّا طليقا، يتصرّف كما يشاء وهنا؛ شعر بالكِبر وكان كل ذلك تحت أنظار إبليس؛ فاِستنتج أن ما قام به الخير، دفعه للسجن وأن ما قام به الشرّ، جعله حرّا ويُعدّ هذا أيضا؛ من إحدى الأسباب التي منعت إبليس من السجود لآدم، خوفا من الأسر، وظنًا منه أن ذلك إجبار على الخضوع، لكن الحقيقة؛ هي أن الإله احتبس الخير، حتى يبقيه بعيدًا آمنا عن أعمال الشرّ، كما تحافظ الأم على صغيرها؛ بعيدًا عن الخطر، وهذا ما لم يستوعبه إبليس حينها. (الصفحة 138)


لما عرض إبليس نفسه على العالم الموازي؛ تبيّن له أنه خالد، لأن طبيعته التكوينية هي النار، أما آدم فهو من طين وليس بخالد ولذلك اِستغل إبليس تلك الثغرة عند آدم، ليوقع به وأيضا؛ تفاخر عليه وتكبّر.


أصبح إبليس؛ ينظر للأشياء من الطبيعة المادية التي رآها في العالم الموازي بحيث قال؛ نعم أسجد للإله لأنه ربي، لكن لن أسجد للبشر وأنا خير منه، كما أنه رأى بأن الطاعة؛ لم تنفع الخير في شيء، وكلما زادت قوة الشرّ كلما امتلك الشخص كل شيء، وأكثر ما راوده؛ هو أن يعرف من هو الله، وما هي طبيعته وماهيته في العالم الموازي وبما أنه لم يصل إليه، حاول الحكم عليه من خلال طبيعة مخلوقاته. (الصفحة 139-140)

    اضف تعليقاً عبر:

  • blogger
  • disqus

الابتسامات

0102030405060708091011121314151617181920212223242526272829303132333435363738394041424344

design by : bloggerinarab, powered by : blogger
كافة الحقوق محفوظة لمدونة أكاديمية الحدث للشعر والأدب 2014 - 2015